عبد الشافى محمد عبد اللطيف
389
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
القرن العشرين ، بل جاء السقوط وحل الانهيار أسرع مما توقع ، لا أريد للحديث أن يجنح بنا بعيدا عما قصدنا إيضاحه في هذا البحث ، وهو أن الولايات المتحدة جاءتها فرصة نادرة لتوجيه الضربة القاضية لعدوها الخطير الاتحاد السوفيتي ، دون أن تدخل هي بشكل مباشر ودون أن تتكلف الكثير ، فها هم المسلمون جاهزون ليقوموا بالدور نيابة عنها وحماسهم لدحر الشيوعية لا حدود له ، ومبدأ الجهاد الإسلامي أنجح وسيلة لتحقيق كل هذا ، وهكذا أخذت الولايات المتحدة تحرض الدول الإسلامية المتحالفة معها ، سواء أكانت قريبة من أفغانستان أو بعيدة عنها ، أخذت تحرض الدول الإسلامية لحشد المجاهدين وملأ الساحة الأفغانية بالشباب المسلم ، الذي أخذ يتدافع بقوة وبحماسة لا نظير لها من أجل نصرة أشقائهم في العقيدة ، وذهب عشرات الآلاف من مصر والسعودية واليمن والأردن والسودان وفلسطين والعراق وسوريا ولبنان ، وبلاد المغرب العربي ، ومن باكستان وإيران وغيرها من الدول الإسلامية ، بل تطوع شباب مسلم للدفاع عن أفغانستان ضد الغزو السوفيتي من مسلمي أمريكا وأوروبا ، وقد وصل عدد هؤلاء المجاهدين - من كل تلك البلاد - نحو ربع مليون مجاهد ، وأطلق عليهم المجاهدون الأفغان . « وجعلت لهم أمريكا مراكز يتجمعون فيها قريبا من الحدود الأفغانية الباكستانية في مدينة بشاور بغربي باكستان ، وكانوا يتلقون في هذه المراكز تدريبا عسكريّا مكثفا ، على حرب العصابات ، تشرف عليه الولايات المتحدة الأمريكية ، وتدعمهم بالسلاح « 1 » ، وكانت بعض الدول البترولية ، وعلى رأسها السعودية تدعمهم بالمال ، وقدمت دول عربية أخرى وعلى رأسها مصر ، الدعم بالرجال ، وكانت عملية التطوع تتم تحت نظر السلطات ، أو حتى بإيعاز منها « 2 » . ونجحت هذه القوات المجاهدة في جعل مهمة الاتحاد السوفيتي في أفغانستان مستحيلة ، وأجبرته على أن ينسحب في مشهد من أصعب مشاهد التاريخ ، حقّا لقد كان انسحاب السوفييت من أفغانستان مخزيا ، وهل هناك أخزى من أن يفر جيش عملاق مدجج بالسلاح المتطور من أمام المجاهدين ، الذي كان معظم تسليحهم من مخلفات الحرب العالمية الثانية ، ولقد رويت في ذلك أعاجيب تناقلتها
--> ( 1 ) ريتشارد نيكسون - انتهزوا الفرصة ( ص 13 ) . ( 2 ) د . مصطفى رمضان ، مرجع سابق ( ص 78 ، 79 ) .